الحالم والنبي!

25 سبتمبر 2021 - 07:33
بكر أبو بكر
صوت فتح الإخباري:

بين الألم والأمل، وبين الحلم والهدف مسافة طويلة ولربما تكون المسافة قصيرة! ونحن لاندرك ذلك! فما الفارق بين الاحساس بطول المسافة أو قصرها عندما يكون الحدّان متنافران أو يبدوان متعارضين؟

يفترض الكثيرون أن الحدّ الفاصل بين العقل والجنون معروف، أو أن الحد الفاصل بين الجودة والرداءة معروف، وقد يفترض غيرهم أن الحد بين الحق والباطل على عمومه معروف، ولا يحتاج لتبيان المسافات والانعطافات التي تجعل من كلا النقيضين يبهتان أو يتقاربان ثم يتبعدان أو يتصارعان أو يندمجان!

باغتني شاعر جميل بتعليق ثري على أحد مقالاتي بالقول: أنك تحلم! أو أنت مجنون؟

وأنا أعلم أن مضمون المقال قد خاطب فيه أحلامه الجميلة هو فأسقطها على المقال في رغبة التحقق وبقصد الاستحسان للقول مع الإشارة لصعوبة التحقق! فأنت مجنون!

لم يكن مني في ردّي المفعم بالمودة عليه إلا ان أجبته أنك لو لم تكن حالمًا لما كنت شاعرًا جميلًا.

هو بالفعل شاعرٌ جميلٌ وإشعاره رائقة، لذا كان خيالُه متسقًا مع أحلامه ليصب في بحرِ آماله التي من الواجب علينا نحن أي المشتغلين بالسياسة أو المشتغلين بالفكر والثقافة أو المشتغلين بالتنظيم،أو الشان العام أن نخرق المألوف فنجعل من الشعرِ ومن الكلمة عامة قاربًا في البحر اللجّي، فتصير الأمواج العاتية أجنحة للسفينة تقيها شرَّ الزوابع وتصل بها لبرّ الأمان.

من هنا يكونُ الحلم واقعًا ويكون الأملُ بمقدار الجهد المبذول والمتتابع دون كلالة (تعب)، يعني هدفًا متحققا.

تسيرُ الدنيا في غالب الأحيان على رأسها! لأن الحمقى والأغبياء يملئون الأرض عبثًا، ولهوًا وهبلًا، فتجد العقلاء مجانين ليس لهم الا الحلم والسعي، أومجاراة حمقى زمانهم... سادتهم! ورحم الله الشافعي.

ليس للجنون حدٌّ، فقد يكون الشاعر مجنونًا، وقد يجن الشيخ الناصح حين تلقى نصائحه في سلة المهملات، ولن تجد من السياسي العاقل أوالمهرطق الا الجنون أوالجنوح.

قد تجد في القائد سكينةً حينًا وقد تراه يخرج عن طوره! فالمسافات بين الجنون والعقل مسافاتٌ رمادية قد لا يستبينها أكثرُنا.

نحن كثيرا ما نطرب للمجانين! فالجنون فنون، والمبدع مجنون والكاتب مجنون والفنان مجنون والشاعر في أثره، ولن ييأس ملازمٌ لعمله الصعب أو المستحيل، الا ما يراه المثبّطون مجنونا بفهمهم، فيستفيقون على تحقق جنونه فينتكسون ويظهر هو في ثوب المنتصرين.

نحن المجانين الذين نقطع المسافات بين النقيضين -وقد نعلق فيما بينهما- وقد نحيلُ المأمول أو المحلوم به الى هدفٍ فنحققه، والا لما قامت ثورة ولا كان مصلح ولا بُعث نبي،ولا تغيرت العلوم، ولا قامت بالدنيا احتفالات تتوج رؤوس الملوك بالغار.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق