"معاريف"الـمـعـركـة الـعـبـثـيـة مـع إيـران

12 يوليو 2022 - 12:19
صوت فتح الإخباري:

بقلم: تل ليف رام

تتميز الأشهر الأخيرة بقفزة درجة في المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران. إسرائيل، وفقا للمنشورات تشدد الضغط الهجومي ردا على استمرار المحاولات الإيرانية ضرب أهداف إسرائيلية في الخارج ومواصلة تموضعها في الشرق الأوسط، وذلك إلى جانب الطريق المسدود في مفاوضات إيران مع القوى العظمى بالنسبة للاتفاق النووي.
احتمال لتصعيد آخر في السنة القريبة القادمة في المواجهة بين إسرائيل وإيران بات أعلى، لكن بخلاف ما ادعاه رئيس الوزراء نفتالي بينيت هذا الأسبوع بأن إسرائيل غيرت في السنة الأخيرة سياسة عملها ضد إيران واضح أن جهاز الأمن بكل اذرعه يكيف طريقة العمل (الأكثر هجومية) مع تقويم الوضع المتغير وعمله لا يشكل تعبيرا عن قرار بتغيير السياسة.
صرح وزير الدفاع بيني غانتس مؤخرا في مؤتمر معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة رايخمن بأن إيران تواصل جمع المعرفة والتجربة التي لا مرد لها في البحث، التطوير، الإنتاج والتفعيل لأجهزة طرد مركزي متطورة – وهي توجد على مسافة أسابيع قليلة من جمع مادة مشعة تكفي لقنبلة أولى.
وأضاف غانتس، إن إيران تحاول توسيع نفوذها في الشرق الأوسط من خلال تسليح، مساعدة ودعم ميليشيات ومنظمات إرهاب، فيما أن كمية وسائل القتال الاستراتيجية الكفيلة بأن تهدد دولة إسرائيل أيضا ازدادت بشكل كبير في اليمن وفي العراق. وأشار وزير الدفاع إلى أنه رغم الهجمات المنسوبة لإسرائيل في سورية، إيران لا تتوقف عن محاولاتها إنتاج بنى تحتية متطورة للنار، ترمي لبناء قدرات لمواجهة واسعة مع إسرائيل.
إن محور النووي ومحور التموضع الإيراني في الشرق الأوسط هما اللذان يوجدان في قلب الانشغال الأمني والسياسي لإسرائيل، إلى جانب جهد عملياتي مواظب لإحباط عمليات الثأر لقوة القدس ضد أهداف إسرائيلية في الخارج. أما الحرب في أوكرانيا والاهتمام الدولي الموجه إلى هناك فيتركان المسألة الإيرانية بعيدة عن جدول الأعمال الدولي. على مدى سنوات طويلة سجلت إسرائيل نجاحات تكتيكية مهمة في الصراع ضد النووي الإيراني مثلما أيضا في المعركة التي تخوضها ضد التموضع الإيراني في الشرق الأوسط.
لكن إلى جانب ذلك ينبغي القول بصدق، انه توجد للنظام في إيران ساعة رمل خاصة به مثلما يوجد له طول نفس لمواصلة ميول وسياقات ثابتة. وذلك بخلاف ظاهر مع كل منطق من زاوية نظر غربية، في ضوء الأثمان الجسيمة التي تدفعها إيران في الضرر الثابت اللاحق باقتصادها تحت عبء العقوبات مثلما هو أيضا استثمارها الذي لا ينقطع في وسائل قتالية تنقل إلى الشرق الأوسط – وقسم لا بأس به منها يحترق في أعقاب الهجمات المنسوبة لسلاح الجو.
لكن من هنا بالضبط تنشأ الاستراتيجية الإيرانية، ومن هنا أيضا الصعوبة للتصدي لها بوسائل عسكرية فقط. فالقدرات الاستخبارية الاستثنائية لإسرائيل ومستوى التنفيذ المبهر المنسوب لسلاح الجو، والتي وجدت تعبيرها أيضا في الشهر الأخير في سلسلة هجمات في سورية تلحق ضررا كبيرا بالإيرانيين. فوتيرة تموضعهم في المنطقة تباطأت، وقد تعرضوا لضربة بمشاريع محددة مثل مشروع الصواريخ الدقيقة ونقل منظومات دفاع جوي متطورة تستهدف ضرب حرية عمل سلاح الجو.
لكن إلى جانب الإنجازات، لا يمكن تجاهل أن إيران مصممة على مواصلة العمل، وكلما مر الوقت أخذت قدراتها العسكرية في التراكم. هذا صراع عبثي من ناحية إسرائيل يجري على مدى السنين، فيما تعمل القيادة السياسية وفقا لتوصيات المستويات المهنية، وفي هذه المسألة لا فرق كبيرا بين نمط عمل هذه الحكومة تحت نفتالي بينيت وبين تلك الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو.

أقوال غير مسؤولة
وإذا كان لا بد من تناول رئيسي الوزراء، فإن بينيت قال هذا الأسبوع، إن إسرائيل تعمل في السنة الأخيرة ضد رأس الأخطبوط وليس فقط ضد أذرعه، مثلما كان يجري في الماضي. كان يود أن يقول عمليا، انه منذ تسلمه المنصب غير سياسة المعركة تجاه إيران.
أثارت أقواله في هذا الموضوع غضبا في جهاز الأمن، بل إن محافل رفيعة المستوى وصفت هذه الأقوال "بغير المسؤولة" على خلفية إخطارات خطيرة جدا بعمليات ثأر إيرانية. أقوال فارغة من المضمون تستهدف أساسا جني ربح سياسي.
انتقاد مشابه وجه في حينه إلى نتنياهو الذي في أثناء جولات الانتخابات التي لا تنتهي جعل فجأة سياسة الغموض اكثر جلاء، دون أن تكون أجريت مداولات استراتيجية مسبقة. شرعي ان تقرر القيادة السياسية تغيير السياسة في أعقاب بحث مرتب، لكن ليس لأي مصدر سلطوي، حتى وان كان رئيس وزراء ألحق في تغيير أو الإخراج إلى النور سياسة أمنية غامضة لاعتبارات سياسة.
هنا المكان لقول ما هو مسلم به. فسياسة الغموض التي تتخذها إسرائيل لا تنبع من اعتبارات كتمان السر. فعندما يهاجم سلاح الجو، حسب التقارير، أهدافا في دمشق، العنوان واضح: فلا يعتقد أي محفل في الشرق الأوسط بأن سلاح الجو البلجيكي هو الذي يقف خلف العملية.
على مدى السنين تتخذ إسرائيل خطا واضحا وهو – الاكتفاء بهجمات تتحدث عن نفسها، وعدم زق أصابع إضافية في عيون الحكم في طهران. في السنوات الأخيرة كان أيضا موقف في جهاز الأمن بأن إسرائيل، كجزء من قوتها عليها أن تأخذ مسؤولية كاملة عن الهجمات، فتنقل بذلك رسالة مباشرة إلى الإيرانيين. ولكن قرارا كهذا لم يتخذ أبدا، ولهذا فإن بينيت ملزم بالسياسة الحالية، حتى لو كانت رائحة الانتخابات تعم الأجواء والورقة الإيرانية تعد مرة أخرى ورقة يمكنها أن تحقق ربحا سياسيا.
كما توجد أمثلة أخرى. هكذا مثلا جرت حملة التشهير بأعمال الإرهاب للحرس الثوري، على خلفية القرار الذي كاد يتخذ في الولايات المتحدة لإخراج المنظمة من قائمة منظمات الإرهاب. بشكل غير مسبوق كشف "الموساد" عملية اختطف فيها على الأرض الإيرانية رجل الحرس الثوري الذي وقف خلف الشبكة لتنفيذ عمليات في تركيا ضد أهداف إسرائيلية وكذا للمس بجنرال أميركي رفيع المستوى. لغير الصدفة وثقت هذه العملية وسجلت بالصوت والصورة، وسرح رجل الحرس الثوري بعد إعطاء الإفادة.
خططت هذه العملية مسبقا كعمل يستهدف الوعي، واستخدام وسائل الإعلام في هذه الحالة، مثلما في حالات أخرى طلت فيها فجأة أنباء في وسائل إعلام أجنبية هي نتيجة لاعتبارات استراتيجية – ما لا يمكن قوله عن أقوال بينيت هذا الأسبوع. مثلما قال في حينه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي في عهد إدارة نيكسون واحد السياسيين المهمين في العصر الحديث: "ليس لإسرائيل سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط". كيسنجر، بطريقته الذكية، قال عمليا، إن في دولة اليهود يتغلب الاعتبار السياسي حتى على الاستراتيجي.
جداول زمنية قصرت
الفترة الأخيرة تتميز بالفعل باحتدام الخط الهجومي لإسرائيل تجاه إيران، مثلما يمكن الافتراض من تصفية الضابط الكبير من قوة القدس في مدخل بيته. على مدى سنوات طويلة تعزى لإسرائيل تصفيات لعلماء نووي، كجزء من الضرب ومحاولة التشويش للبرنامج النووي الإيراني وكبديل عن الهجوم على منشآت النووي.
ان تصفية ضباط كبار من الحرس الثوري هي تطور جديد، جاء كما يمكن الافتراض في أعقاب تقويم للوضع اجري في "الموساد". يمكن التقدير بأنه كان من اعتقد انه في ضوء المحاولات الإيرانية التي لا تتوقف لضرب أهداف إسرائيلية، فلا يمكن الاكتفاء بالدفاع فقط وبإحباط العمليات. وبالتالي ثمة حاجة للانتقال الى الهجوم وإطلاق رسالة عدوانية الى الطرف الآخر في أن كل ما يحاول هو عمله – تعرف إسرائيل كيف تنفذه بشكل افضل.
لكن ليس للمهنيين أوهام. فالأحداث الأخيرة هي جزء من مسيرة تتواصل لسنين وفيها بشكل متدرج وثابت يتعزز ميل تصعيد معتدل بقدر ما لا يحل بشكل سياسي، سيحتدم فقط في السنوات القادمة.
عندما يدور الحديث عن السياسة وليس فقط كتعبير عن أعمال تنبع من تقويم للوضع الأمني، في موضوع النووي كانت إسرائيل، تحت رئيس الوزراء السابق نتنياهو هي التي كان لها دور مهم في القرار الأميركي للانسحاب من الاتفاق النووي. في اختبار النتيجة أدى هذا القرار الى الفشل والى الوضع المتقدم الذي توجد فيه إيران، اليوم – تخصيب اليورانيوم الى مستويات عالية وتطوير أجهزة طرد مركزي حديثة. في إسرائيل، أشاروا في الماضي، وعن حق الى بنود الاتفاق الإشكالية: في 2025 – إدخال متدرج لأجهزة طرد مركزي متطورة وفي 2030 – إنهاء الاتفاق فيما ينفد مفعول القيود على التخصيب.
ولا يزال، في اختبار النتيجة بعد انسحاب الأميركيين، في واقع لا يوجد فيه اتفاق حقا، قصر الإيرانيون الجداول الزمنية بسنوات عديدة واستخدموا الخروج الأميركي من الاتفاق حتى أقصى مدى. يدور الحديث عن فشل استراتيجي مدوٍ لإدارة ترامب، لإسرائيل وبنيامين نتنياهو أيضا اسهم فيه.
على خلفية هذا الواقع، في الساحة السياسية – الأمنية توجد أصوات عديدة تعتقد بأنه يجب تغيير السياسة وان التوقيع على اتفاق متجدد، الى جانب كل نواقصه حتى وان كان سيكون واضحا بأن هذا اتفاق سياسي، هو مصلحة إسرائيلية، وبالتأكيد في الواقع الذي تتبقى فيه إسرائيل عمليا شبه وحيدة تستخدم ظاهرا قوة عسكرية ضد إيران.
اتفاق ما، كما زعم، سيوقف مؤقتا استمرار تقدم إيران في البرنامج النووي، ويسمح لجهاز الأمن بالوقت اللازم للاستعداد بشكل افضل لإمكانية أن تقتحم إيران نحو القنبلة. مهما يكن من أمر، فإن الخيار العسكري الإسرائيلي للهجوم على منشآت النووي لا يوجد في هذه اللحظة على الطاولة، وفي المستقبل أيضا ليس واضحا على الإطلاق إذا كانت إسرائيل يمكنها أن تتصدر خطوة كهذه بشكل مستقبلي.
إسرائيل، قالت لنا هذا الأسبوع مصادر أمنية بعد الأقوال التي ألقاها بينيت، يجب أن تتصدر الخط بأن إيران هي مشكلة عالمية - وليست مشكلة خاصة لإسرائيل. أما الأقوال التي صدرت هذا الأسبوع عن رئيس الوزراء فتضعنا في رأس الحربة في المعركة تجاه إيران، وذلك بخلاف تام مع مصلحتنا.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق